نشيد الاستقلال

لا تحزنْ، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ

قبلَ أن تخمدَ في آخرِ دارٍ على أرضِ وطني شعلةُ الضياءْ

إنها كوكبٌ سيظلُّ ساطعاً فهي لأمتيَ الغراءْ

إنها لي ولشعبي دونَ انقضاءْ

 

هلالَنا المدلل، أرجوكَ لا تقطبْ حاجبَ الجمالْ

ابتسمْ لعرقي البطلِ ! ما هذهِ الهيبةُ وذاكَ الجلالْ؟

وإلا لن تصبحَ دماؤُنا الزكيةُ لكَ حلالْ

من حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ

 

كنتُ حراً منذُ الأزلِ وأحيا حراً

أيُّ أرعنٍ يقيدُني بالسلاسلِ ، ما أعجبه أمراً !

إنني كالسيلِ الهائجِ أكسرُ السدودَ وأندفع فوراً

أحطمُ الجبالَ ، أملأُ الأرجاءَ ، أنتفض فيضاً

 

لو أحاطَ الجدارُ المدرعُ آفاقَ الغربِ

فإن حدودَ بلادي في صدري كالإيمانِ الصلبِ

لا تخفْ فأنت الأعزُّ وليست لخنقِ الإيمانِ بالغالبِ

تلك الحضارةُ التي ما هي إلا وحشٌ وحيدُ النابِ

 

يا صاحبي، إياكَ أن تجعلَ الوطنَ عرضةً للأدنياءْ

كن سداً منيعاً أمامَ الغزوِ السافرِ كالأقوياءْ

فستشرقُ تلكَ الأيامُ التي وعدَها اللهُ للعظماءْ

ومن يدرِ لعلَّ غداً أو قبلَه ينتشرُ الضياءْ

 

لا تحسبنَّ ما تحتَ رجليكَ تراباً وأيقنْ

واحتسبْ لآلافِ الراقدينَ من دونِ كفنْ

أنتَ ابنُ الشهيدِ لا تؤذِ الأجدادَ واركنْ

لا تفرطْ بجنتكَ ولو أعطوكَ الكونَ بلا ثمنْ

 

من منا لهذا الوطنِ الجنةِ لا يقدمُ نفسا ؟

تفيضُ الأرضُ بالشهداءِ لو لمستَها لمسا !

بروحي وحبي وملكي للهِ طبتُ نفسا،

إلا الوطنَ لا أستطيعُ دونَه العيشَ أنسا

 

تتضرعُ نفسي لكَ يا إلهي بالدعاءْ

لصون المعابدِ من الأيدي الملطخةِ للأعداءْ

ليبقى الأذانُ بالشهادةِ صادحاً في العلاءْ

فهو عمادُ ديني يتخلدُ في وطني بالجلاءْ

 

ويسجدُ لكَ شاهدُ قبري وإن يكُ حينئذٍ بالوجدْ

بدموعٍ داميةٍ يا إلهي من كلِّ جرحٍ للفؤادْ

فيقفزُ نعشي من الأرضِ كالروحِ المجردْ

وتسمو هامتي لذرا العرشِ بامتدادْ

 

رَفرفْ كالشفقِ الأحمرِ يا أمجدَ هلالْ

لتكنْ دماؤُنا كلُّها لكَ حلالْ

لن يصيبَك ولا عرقيَ الاضمحلالْ

والحريةُ من حقِّ رايتي الحرة لا جدالْ

ومن حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ

 

محمد عاكف أرصوي

ترجمة: يعقوب جايمازأوغلو

 

نشيد الاستقلال نشيدًا وطنيًّا ونصًّا أدبيًّا

الأستاذ الدكتور م. أورهان أوكاي

أستاذ في الأدب التركي الحديث

في ضوء المعلومات التاريخية التي وصلت إلينا نعلم أنه تم طرح مسابقة لاختيار النشيد الوطني التركي شاركت فيها 724 قصيدة شعرية. وللأسف الشديد لا نملك اليوم في أيدينا ملفًّا يحتوي على كل هذه القصائد. وكانت الهيئة المتخصصة آنذاك قد قامت باختيار سبع قصائد شعرية وعرضتها على مجلس الشعب. ولو أنه تم اختيار إحدى القصائد السبع لما كان بوسعنا امتلاك أجمل القصائد الشعرية في الأدب التركي، كما كان لنا اليوم نشيد وطني ضعيف بمعنى الكلمة.

ويبدو أن السيد حمد الله صبحي وزير التربية في حكومة مجلس الشعب الأول كان يشعر آنذاك بنفس الهاجس والقلق اللذين نفكر فيهما الآن، وهو ما جعله مصرا على أن يكون محمد عاكف ضمن المشاركين في هذه المسابقة حيث استعان بالوسطاء لتحقيق ذلك.

وقبل محمد عاكف المشاركة في هذه المسابقة شريطة إلغاء الجائزة النقدية المخصصة لها ثم أكمل نشيد الاستقلال وأرسله إلى وزارة التربية. وقبل إعلان النتيجة نُشِر النشيد في مجلة " سبيل الرشاد "، وكان في مقدمة الشعر إهداء يحمل عنوان: "إلى جيشنا البطل".

ويجب أن لا تغيب عن ذاكرتنا أهمية هذا الإهداء وقيمته عند قراءة نشيد الاستقلال وسماعه. لأن ذلك الجيش البطل إنما هو كل فرد من الرجال والنساء من هذا الشعب المناضل في سنوات الكفاح العصيب التي كُتِبَ فيها هذا النشيد، وبالتالي فإن الإهداء إلى " جيشنا البطل " يعني إهداء في الوقت نفسه إلى "شعبنا البطل ".

والآن يمكننا التوقف قليلا للإمعان في سبب عدم إدراج محمد عاكف نشيد الاستقلال ضمن كتابه الشعري " صفحات" وقوله: "إنه ليس لي، بل هو ملك لشعبي". ماذا يقصد محمد عاكف بهذه العبارة؟ هل يعني بذلك مجرد إهداء هذا الشعر إلى شعب يُعدّ كل فرد منه بطلا؟ أم أنه يقصد بالقول: "إنه ليس لي، بل هو ملك لشعبي" معنى آخر؟

إن كلمات الأناشيد الوطنية في العالم تبطن خصوصيات الشعب الذي يتبناه لسنوات وتُردِّدُها الألسنة لمئات السنين إلى جانب كونها نتاج قلم شاعر، ولهذا السبب فإن كثيرًا من الأناشيد الوطنية يُنسى ناظمها، ويصبح مجهولا مثل الملاحم التي تظهر عند تشكيل أمة ما أو في عصور قديمة.

وعبارة " النشيد الوطني " اسم مشترك شائع يطلق على الأشعار التي تحمل هذه الميزات في جميع أنحاء العالم. ولبعض الأناشيد الوطنية أسماء إضافية أخرى، وهذه الأسماء ترمز عادة إلى وصف خاص بذلك الشعب، أو حادثة غير اعتيادية وقعت في أثناء كتابة أو قبول النشيد.

أما نشيدنا الوطني فيتبوأ مكانة متميزة بين الأناشيد الوطنية في العالم، فاسم نشيدنا الوطني هو "الاستقلال". وهذا الاسم يبيّن ميزة مهمّة جدًّا لشعبنا. وبحسب ما ورد في كتب التاريخ أن الأتراك قد أسسوا منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا ست عشرة دولة أو خمسين دولة أو أكثر من مائة دولة في روايات مختلفة. وسبب اختلاف هذا العدد بالقلة أو الكثرة يعود إلى الاختلاف في تعريف الدولة، وضبط العدد هنا ليس مهمًّا في الواقع، والمهمّ هنا أصلا هو عدم بقاء شعبنا من دون دولة في أي حقبة تاريخية كانت. وبحسب ما أكدته كتابات أورهون التي هي أقدم نصوص مكتوبة باللغة التركية فإن الشعب التركي عهد أن يعيش حرا ومستقلا كما جاء على لسان عاكف في شعره، وهو يشير إلى الخصوصية الثابتة التي لا تتغير للشعب التركي منذ أقدم العصور المعروفة:

كنتُ حراً منذُ الأزلِ وأحيا حراً

أيُّ أرعنٍ يقيدُني بالسلاسلِ ، ما أعجبه أمراً !

إنني كالسيلِ الهائجِ أكسرُ السدودَ وأندفع فوراً

أحطمُ الجبالَ ، أملأُ الأرجاءَ ، أنتفض فيضاً

وإذا كانت هناك تعريفات مختلفة للدولة فإنّ هناك عنصرًا مشتركًا لا يتغير بين هذه التعريفات، ألا وهو الاستقلال. وقد انبثق نشيدنا الوطني من الكفاح الذي كان يُعَدُّ في العصور القريبة ميزة ظاهرة وثابتة لشعبنا، حيث كانت الدولة العثمانية هي الوحيدة التي تدافع عن هذا الاستقلال وتحرص عليه في بداية القرن العشرين. كما أنها كانت أيضًا الدولة الإسلامية المستقلة الوحيدة في ذلك الوقت. وتولد نشيدنا الوطني في خضم نضال ضد وحش ذي ناب وحيد يسمى الحضارة وهي تريد القضاء على هذه الدولة. ولهذا السبب سُمّي نشيدنا بنشيد الاستقلال حيث يبدأ النَّظْم بالتأكيد على الاستقلال وينتهي كذلك بالتأكيد على الاستقلال. ولئن لم ترد كلمة الاستقلال بصراحة في الأبيات الأخرى من هذا النشيد، ولكننا نشعر بوجودها في كل مقطع منه، كالذي نراه في هذا البيت: " لا تحزنْ، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ"، فالراية في الشطر الأول من البيت هي رمز للاستقلال. فهي ذُكرت مع البشارة بأنها لن تنطفئ، ومع كلمة: "لا تخف" التي تطمئن الأذهان والقلوب والأفئدة في صيحة واحدة.

وتتكرر عبارة: " من حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ " في نهاية المقطعين الملحَّنَين،ِ وكذلك في آخِر القصيدة. وتم في هذه العبارة ذكر خاصيّتين مهمتين لشعبنا في آن واحد: الخاصية الأولى هي حقّه في الاستقلال الذي لم يفقده في أي عصر، والثانية هي تولد حقّ الاستقلال مع الشعور الإيماني به. ونستنتج الجانب الإيماني من كلمة الحق الثانية التي وردت في الشطر الثاني من العبارة. والحق اسم من أسماء الله تعالى وهو المقصود به. وبذلك تظهر في نشيدنا الوطني الخاصية الدينية والخاصية الوطنية معا على أساس أنهما جزآن لا ينفصل أحدهما عن الآخر لدى شعبنا.

وكما يتجلى فإن اسم نشيدنا الوطني لم يكن من قبيل المصادفة، ولا مجرّد أمل أو تمنٍّ للشاعر وهو ما تؤكده الظروف التي كانت سارية في تلك السنوات. ثم إن كلمة الحق تعبر عن حقيقة لغوية شعبية استخدمت هنا بشكل فني.

والميزة الأخرى للأناشيد الوطنية، هي أنها تعكس الحالة الاستثنائية التي عاشتها الأمم، ولاسيّما أوقات النكبة الكبيرة التي أصابتها والآمال العظيمة لها والانتصارات التي حققتها بعدها. ولا أرى بدا في أن أدخل في التفاصيل التاريخية المعروفة لدى كلّ فرد.

إن فترة ما بين عرض كتابة النشيد الوطني على محمد عاكف والموافقة عليه من قبل مجلس الشعب التركي توافق ما بين كانون الأول (ديسمبر) 1920 وآذار (مارس) 1921، وهي أكثر الأوقات المتأزمة والحرجة في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال. ولهذا السبب يبدأ نشيدنا الوطني بخطاب "لا تحزن!". ولكنه كان سببا لبعض الاعتراضات التي لا تحمل نوايا حسنة. والحقّ أن بدء محمد عاكف بهذا الخطاب له مغزى خاص. ويجب معرفة الظروف التي كانت تحكم ذلك الوقت معرفة جيدة، حيث كانت تلك الأوقات مليئة بعدد من الأحداث التاريخية المهمّة، مثل تقدم الجيش اليوناني الذي سلّحته الدول الغربية باتجاه الأناضول، وحرب إينونو الأولى، بالإضافة إلى محاولات القضاء على التمرد الداخلي. كان المجلس والشعب يعيشان الخوف والأمل وأخبار النصر والفرح في آن واحد، ويعيشان كل ذلك بأحاسيس مختلطة. فبدأ النشيد في تلك الأيام المشؤومة بخطاب "لا تحزن! فلن تنطفئ هذه الراية الحمراء التي ترفرف في السماء"، ويستمر النشيد بهذه العبارة: " لن يصيبَك ولا عرقيَ الاضمحلالْ "، ويُولَد بذلك نشيد الاستقلال.

إن بداية نشيدنا الوطني بكلمة "لا تحزن"، ليس اعتباطيا. إن الشعب التركي الذي ينتسب إلى هذا الدين الذي علّمه أن الشؤم وليد الإيمان الضعيف وجد بهذه النظم عزم وجوده وإيمانه وإرادته من جديد. لهذا السبب فإن نشيد الاستقلال هو ملحمة عصر للموت أو البقاء لهذا الشعب. ومن المعلوم أن النضال الوطني قد وقع تحت ظروف صعبة، وكان النجاح والنجاة في هذه الظروف شبه مستحيل. وكان الإيمان أهم سلاح اعتمد عليه الشعب التركي في الوقوف ضد المستعمر الذي تحرك باسم الحضارة، وهجم على الوطن بأقوى الأسلحة وأحدثها في ذلك الوقت. ويمكننا التفكير بأن هذا الإيمان بالمعنى الديني هو الشهادة في سبيل الوطن، وبالمعنى الوطني هو الثقة بالنفس. ويجب ألا ننسى أن ولوع وشغف شعب كالشعب التركي باستقلاله من أجل الفوز بالنضال والكفاح الوطني يعود بشكل رئيس إلى الاعتقاد الديني المبنيّ على الإخلاص. ومحمد عاكف الذي كان يعرف قوة هذا الشعب الإيمانية كان يصدح من هذه الناحية بما يأتي:

لو أحاطَ الجدارُ المدرعُ آفاقَ الغربِ

فإن حدودَ بلادي في صدري كالإيمانِ الصلبِ

لا تخفْ فأنت الأعزُّ وليست لخنقِ الإيمانِ بالغالبِ

تلك الحضارةُ التي ما هي إلا وحشٌ وحيدُ النابِ

وفي الختام أريد التحدث عن الخصوصية الثالثة للأناشيد الوطنية وهي كونها تحمل صفة ذات شخصية مجهولة. فالنشيد الوطني شعر يمتاز بشخصية مميزة، مثل الملاحم التي تعيشها وتَصنعها الأمم ولا يعرف صاحبها. وأما نشيد الاستقلال التركي فصاحبه ليس مجهولا. ونعلم كيف أن محمد عاكف امتنع في البداية عن المشاركة في مسابقة النشيد الوطني ثم شارك بعد الإلحاح عليه وتحت أي ظروف أرسل هذا النشيد! إن فلسفته في عدم المشاركة في هذه المسابقة واضحة وبينة، وهي أن أبيات النشيد الوطني لا تُكتَب بناء على توصية. ولا يمكن قبول مصلحة دنيئة، مثل المال، من أجل كتابة هذا النشيد.

إن عدم قبول مئات القصائد الشعرية التي اشتركت في المسابقة، وعدم بلوغها المستوى الذي يمثل هذا الشعب النجيب بحيث تكون رمزًا لشخصيته برهن على مدة صدق محمد عاكف في هذا الموضوع. ولهذا السبب تم إلغاء كلا الشرطين بناء على طلب عاكف. وهذا يعني أنه ما كان لهذا الشعر أن يأتي بناء على توصية، ولا مقابل منفعة مادية. ولم يكن شعر محمد عاكف منظوما بناء على طلب. وكان يلقي على أصدقائه بعض أبياته الشعرية التي يكتبها بمشاعر صادقة قبل إجراء المسابقة بفترة طويلة في تلك الأيام العصيبة. ولما وافق محمد عاكف على المشاركة في هذه المسابقة بطلب ملح من وزير التربية وبوساطة أصدقائه حينذاك، خلى بنفسه في غرفة داخل زاوية تاج الدين المتواضعة التي كان يقيم فيها. فتمكن في ذلك المناخ المعنوي من مزج عزم شعبه وإرادته بفنه الشعري، فبدأ ينظم فكأنه يصغي إلى وحي من أعماق روحه حتى أكمله كالنقش على الحجر.

نحن نعلم من خلال الاطلاع على كتاب محمد عاكف الشعري "صفحات" أنه لم يكن بعيدا عن مجتمعه، بل كان يحس بآلامه ويعايشها في نفسه. لكننا لم نجد في أيّ شعر من أشعاره تلك الروح المعنوية العالية التي لمسناها في النشيد الوطني، حيث كان متلاحما ومتكاملا مع شعبه في المشاعر والأحاسيس بصفة تامة. ولهذا السبب كان هذا الشعر نابعا عن الشعب وليس عن نفسه على حد قول محمد عاكف، أي بعبارة أخرى كان محمد عاكف بمثابة شخص استطاع أن يستنطق أحاسيس شعبه في شعره. ولهذا السبب لم يدرج النشيد الوطني ضمن كتابه الشعري " صفحات " مؤكدا بالوقل: " إنه ليس لي بل هو لشعبي ".

أريد أن أتطرق إلى فن محمد عاكف الشعري الذي طبع على هذا الشعر من دون أن ننسى مقولته الأخيرة التي ذكرناها آنفا. وعند الحديث عن الخصائص التي تميز نشيد الاستقلال التركي عن سائر الأناشيد الوطنية للأمم الأخرى، يجب أن لا نتغاضى عن شخصية محمد عاكف الشهيرة والمعروفة لدى جميع أفراد المجتمع التركي، مقارنة بجل الأناشيد الوطنية في العالَم التي حررتها إما شخصيات مجهولة وإما شعراء لا يحتلون مكانة مهمّة في التاريخ الأدبي لتلك الأمم. بل ويمكن القول: إن تلك الأناشيد تعاني من ضعف أدبي، فهي عبارة عن ذاكرة تاريخية أثارت نوعًا من الشوق والهيجان يوم صدورها من فم شاعر فقط. بينما الشاعر محمد عاكف ليس شاعر النشيد الوطني فحسب، بل هو أكثر الشعراء شهرة في كلّ شعره خلال حياته وكذلك في عصرنا الحالي، وهو يُعَدّ أكثر الشعراء قراءة وأعظمهم احترامًا من قبل أفراد شعبنا... فديوانه المعروف بـ "صفحات" - على سبيل المثال- طُبِعَ منه أكثر من مئة ألف نسخة، وهذا الرقم لم يصل إليه أي ديوان شعري في تركيا إلى اليوم، وهذا يُعدّ دليلًا قاطعا على أهمية هذا الديوان لدى مجتمعنا التركي. ولا مجال للخيال في أشعار محمد عاكف، فهو يصف شعره بنفسه ويقول : "ركام من الألفاظ يخرج من الصميم، مع شيء من المهارة". ومن الصعب الحديث عن وجود شاعر آخر في تركيا مثل محمد عاكف الذي كان يشارك شعبه في آلامه وأحزانه وأفراحه، ويعايش تلك المشاعر، ثُمّ يحررها.

ولئن كان ينعت شعر محمد عاكف عموما بـ " القول الصادق مع شيء من المهارة " إلا أن النشيد الوطني انفرد عن سائر أشعاره ليصبح أروع نموذج للشعر التركي بصفته نصا أدبيا إلى جانب احتوائه على الصدق والمهارة.

يجدر القول إن نشيد الاستقلال سواء من ناحية فن النظم أو من ناحية المحتوى يُعدّ فوق مستوى الأبيات الشعرية بصفته نشيدًا وطنيًّا، فهو من أجمل القصائد الشعرية الحماسية الغنائية في الأدب التركي. بالإضافة إلى المقطع الأخير الذي كان خماسيا على خلاف بقية المقاطع التي كان كل واحد منها رباعيا، وكان النشيد يتألف في المجموع من عشرة مقاطع. وكان الشعر منظوما ويراعي القافية بشكل تام. وكل مقطع كُتِب بمشاعر منسجمة وبتركيب تنظيمي متين. ونعترف بكلّ صراحة أن الشاعر محمد عاكف ألف هذا الشعر في عصر تزداد فيه المنافسة من ناحية استخدام التقطيع الموزون في العَروض، واستطاع بكل راحة استخدام قواعد العَروض في شعره بمهارة عالية فوق المعتاد، ولا يمكن توقّع هذا الأسلوب بهذا الشكل من غيره. فهو متمكن من استخدام القافية التي تنسجم مع الشكل في كل بيت من شعره، وهو ما جعله شعرًا ثرِيًّا من الناحية الصوتية.

" رَفرف كالشفق الأحمر يا أمجد هلال " : " الأحمر يا أمجد الخدام القوافي

عبارات خطاب إنذارية وبنبرة تأكيدية.

" لا تحزن، لن تخمد الراية الحمراء في شفق السماء " أو " يا صاحبي، إياك أن تجعل الوطن عرضة للأدنياء " أو " لا تحسبن ما تحت رجليك ترابا وأيقن " .... وغير ذلك.

ولكن عندما يصل محمد عاكف إلى الدعاء في النشيد يتحدث وكأنه يركع ويسجد أمام الإرادة الكبرى:

 

تتضرع نفسي لك يا إلهي بالدعاء

لصون المعابد من الأيدي الملطخة للأعداء

ليبقى الأذان بالشهادة صادحا في العلاء

فهو عماد ديني يتخلد في وطني بالجلاء

 

هذا النشيد يملك بناءً متينًا من حيث تناول المواضيع، فنجد الشاعر يخاطب الراية في أول المقطعين، ويبشرها بالاستقلال الأبدي مع بقاء الشعب إلى الأبد. وفي المقطعين الثالث والرابع يتحدث الشاعر باسم الشعب التركي، ويقول: إنه سيقاوم القوى المادية للغرب بحبه الأبدي للحرية وبقوة إيمانه. ويخاطب الشاعر الجنود الأتراك في المقطعين الخامس والسادس، ويلقنهم بأن الأرض التي يعيشون عليها ليست مكانًا عاديًّا، إنه وطن! ويجب عدم السماح للأعداء أن يدوسوا عليه. ويؤكد الشاعر في المقطعين السابع والثامن: أنّ كل شيء محبوب يمكن فقدانه، لكن لا يمكن فقدان هذا الوطن، ولا يمكن تحمل انقطاع صوت الأذان فيه. ويذكر في المقطع التاسع أنه في حال أن يُستجاب لدعائه فإن روحه ستنطلق وترتفع بكل انشراح. وفي المقطع الأخير يعود إلى الراية، ويكرر بشارته للشعب التركي بأنه لن يضمحل أو ينهار أبدًا، وأن له الحق في الحرية والاستقلال إلى الأبد.

يؤمن محمد عاكف بأن النصر الذي وعده الله للشعب وللمؤمنين سيتحقق بلا تردد. ومن الخصائص التي يمتاز بها شعره: أنه جمع بين القيم الوطنية السامية وبين الأفكار الدينية في مقاطع الشعر بشكل متوازن ومتناسق. واستخدم الشاعر المفاهيم الوطنية مثل العَلَم، الهلال، النجمة، الحقّ، الحرية، الاستقلال، الوطن، الأمة، العِرق، والبطولة مع المفاهيم الدينية، مثل الإيمان، الشهادة، الحلال، الجنة، الهداية، الأذان، المعبد، والانشراح... وغيرها بشكل منسجم ومتلائم. كما أن الشاعر استخدم كل هذه المفاهيم ببلاغة كاملة. وتعتبر القيم الوطنية والأفكار الدينية عنصرين مهمين لدى الشعب التركي الذي حقق الكفاح الوطني بفضلهما وهما بذلك يمثلان العمود الفقري لنشيد الاستقلال.

هذا، واستخدم الشاهر المجاز والرمز في النشيد الوطني الذي يُعدّ شعرًا متكاملا من جميع النواحي، وهو قد أثرى النشيد، وجعله غنيًّا من الناحية الفنية. ولا يمكن من خلال هذا الحديث المختصر توضيح كل هذه الموضوعات، حتى إنه لا يكفي لسرد أسماء الفنون المستخدمة فيه. ثّمّة علاقة ورابطة من ناحية الصوت والمعنى بين الكلمات في كل عبارة داخل كل مقطع من هذه النظم. وكل كلمة وكل مفهوم تقريبًا قد استولى على مكانه في الشعر بمعانيه المجازية والأصلية.

ونشيد الاستقلال بجميع أوصافه هذه، نُظِّمَ بشكل مُحكَم بحيث لا يمكن تحريك أي لَبِنة فيه، إنه روعة معمارية رائعة من ناحية الصوت واللفظ والمعنى!